الشيخ السبحاني

129

مفاهيم القرآن

ونحن رأينا كثيراً من المنتسبين إلى العلم والشريعة انقبضوا عن إثبات عالم التجرّد واشمأزّت قلوبهم عن ذكر العقل والنفس والروح ، ومدح ذلك العالم وخدمة الأجساد وشهواتها المحسوسة ودثورها وانقطاعها وأكثرهم توهموا الآخرة كالدنيا ونعيمها كنعيم الآخرة إلّا أنّها أوفر وأدوم وأبقى . « 1 » وحاصل هذه الشبهة يرجع إلى أمرين : أ . انّ إنكار المشركين المعاد لأجل كون الحياة الأُخروية فوق الحس ، وهذا لا ينسجم مع كون المعاد عنصرياً . ب . هؤلاء المنكرون لفرط حبهم بالبدن وآثاره كان من الصعب عليهم تركها وطلب نشأة تضاد هذه النشأة . يلاحظ على الأمر الأوّل : أنّ المشركين كانوا يستوحشون من إحياء البدن العنصري تارة أُخرى ، ولأجل ذلك كانوا ينسبون القائل بذلك إلى الجنون والخلط . إنّ إحياء الأموات ليس أمراً سهلًا حتى يصدقه كل‌ّمن خوطب به ، بل أمر يصعب فهمه على السذج من العقول يقول سبحانه : « وَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا هَل نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنبِّئَكُمْ إِذا مُزّقتُمْ كُلّ مُمَزَّق إِنّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَديد * أَفْتَرى على اللَّه كَذِباً أمْ بِهِ جِنَّة » « 2 » فالذي كانت تستغربه الأفهام الساذجة هو إحياء البدن البالي ، وهذا ينسجم مع المعاد العنصري . ولأجل رفع تعجبهم وتقريب المطلب إلى أفهامهم يضرب القرآن بكلّ مثل في هذا الباب كما سبق ذكره .

--> ( 1 ) . الأسفار : 9 / 157 - 158 . ( 2 ) . سبأ : 7 - 8 .